اللهب المقدس

مرحبا بك معنا حللت أهلا وسهلا
اللهب المقدس

تربوي أدبي ثقافي


    سراب من وراء البحر

    شاطر
    avatar
    عزالدين كعوش
    Admin

    عدد المساهمات : 34
    تاريخ التسجيل : 02/12/2010
    العمر : 54

    سراب من وراء البحر

    مُساهمة  عزالدين كعوش في الأربعاء مارس 07, 2012 5:07 am

    علميني كيف أتيه بين طيات هذا العمر واختصر المسافات وأرحل إليك .. يقولون أن ذراعيك أبدا مفتوحة تمطر أزهارا عند اللقاء ولا يتعبها العطاء ، وأنا اليوم ورقة خريف ملتها شجرتها فوهبتها للرياح تعبث بها كيف تشاء..لم يعد يروق لي صفاء السماء ولا وضوح الوجوه وكذلك طعم التين الشوكي الذي أتعب وأنا أجني ثمراته وأتعب أكثر حين أسمع صوتك ذلك المنقذ الذي تحمله النسمات القادمة من الشمال .. مللت وأنا أنتظر قدومها لأفرق على هبوبها حبات القمح عن التبن ...ستصفى "الدرسة "وأعود بالمحصول في المساء ..رتابة ، ملل هذا الذي أسمي بقاء ..اليوم أحزم أمتعتي ، اليوم أدوس على آخر الخرافات و أرمي بها بعيدا "البرنوس ، القشابية ، في كل عطلة خير .." سأودع هذه المدينة البائسة أودع التجوال بين أزقتها التي ترفضني وأنسى إلى الأبد ذلك المقهى الذي لا يحسن صاحبه غير كلمة واحدة " واش تشرب ".. اليوم سأبحر غير آسف على لعبة تركتها كنت أسميها الحياة ،عن ضيق راح يلتهم الأحلام ويكدسها أنات لا مدينتي انتبهت لها ولا حتى بيتي الذي استقر في آخر الشارع وراح ينخر عظمي برطوبته ويخنق أنفاسي برائحته الكريهة ..
    هذه البناية العائمة هي التي تحقق حلمي ستنقلني إلى هناك ، وهناك ربيع مزهر وجنة غناء وأمواج أدركت حجم تعبي فظلت ساكنة.. بشرة خير .. لم أشأ التفت إلى الشاطئ حتى لا أنغص جمال اليوم بصورة أخرى ..
    المدينة هنا لا حدود لها ، لا أحد يلتفت نحوك .. الكل يسير مسرعا كأنه يطارد موعدا يخشى فواته ..يوم ويومان وثلاثة... والعمر يجري ومتاعبي تزداد كلما طلعت شمس يوم جديد.. هناالشمس حزينة تطلع باحتشام تبدي بعضها وتدخر الجزء الباقي لليوم القادم ؛كل شيء محسوب بدقة ،حتى الوافدون تحسب عليهم خطاهم ولا يفلتون من المساءلة عند كل ممر .. أنتبه .. ! فأنت لم تحسن السير إذ ترسل نظرك نحو البناية فإنك تخطط لشيء ما ... يجب أن تتنفس بقدر وتدخر بعض الهواء ليوم يعز فيه الهواء النقي الذي طالما كفرت به بين الروابي ..
    الدريهمات التي جمعتها من دمي بدأت تنفذ والحلم الذي شيدته بدت لبناته الحقيقية ؛ ثلجية تذوب بين منعطف وأخر كلما سألت عن عمل ..ماذا تحسن فعله؟.. وأنت البدوي الذي لا يصلح غير حاد لقطيع الإبل في صحراء ظلت ترمي بفلذات أكبادها إلى جاشع جمع كل نفيس سكن أديم الرمال ثم أنهمك بشراسة يمتص رحيق العمق الأسود.. بعدما أتى على كل غض أخضر ..ضاقت المسافات وترجل العمر ليقف على أرجل هي الأصدق ويتضح سفه الحلم الكاذب .. الزمان غير الزمان يمضي مسرعا حتى وأنت تنتظر يدا تمتد لتحميك وأنت تبحث عن النفس الأخير .. المكان أكذوبة كبيرة تباهى بصوره الجميلة وحافظ من الداخل على لبه الجليدي الحاقد ، يلسعك ببرده كلما حاولت الولوج في حقيقته أو اردت الانتساب إلى بعض أشيائه ..
    ممر آخر وسؤال آخر ..لكن هذه المرة التهمة تبدو كبيرة والخلاص منها مستحيل ؛ إنه من تلك الضفة قالها لصاحبه وضحك .. الصيد هذه المرة كبير.. لما كنت أتابع أخبارهم رأيتهم كيف يعطفون على الحيوان وكيف يتخذون من الكلاب أصدقاء يقتسمون معهم الأكل والمضجع وكيف يفرحون عندما تلد القطة ويعلنون الليلة عرسا حتى الصباح ويقدمون للأم ما لذ وطاب من المأكولات ..أما أنا! ..حشرت في سيارة بين رجلين وقتها تمنيت لو كنت حيوانا علهم يرفقوا بي لكن هيهات أن أبلغ ذلك القدر!.. لم يتوقفوا عن توجيه اللكمات إلى وجهي طيلة الطريق ولا أسمع منهم غير سب وشتم .. افسدتم بلدكم وجئتم لتفسدوا أرضنا ، لن نسمح بذلك أبدا ،شراعكم لا يصلح لسفننا فهو يفسد البحار وقببكم فوضى تخدش جمال مدننا ..وآخرها كان دفعا بالأرجل لأجدني في غرفة مظلمة لا تفتح نافذتها الصغيرة إلا مرة واحدة أظن في كل يوم ويرمى من خلالها شيء أستحي أن أسميه أكلا .. هي السعات تمر متوعكة لتغرس في جسد ظل ينزف وقلب لا يفتر يذبل كلما تذكر ذلك القصر الذي في أخر الشارع من مدينتي.. الجميلة ! ..
    هذه المرة لست وحدي بل كنا أربعة مقيدين بسلسلة واحدة نساق نحو نفس البحر الذي حلمني ذات يوم والحلم يلبسني لندعَّ على ظهر سفينة والشوق يهزني لأسمع صاحب المقهى وهو يتغنى بأعذب الألحان " واش تشرب"..


    _________________
    أن تقف بعد الكبوة ذاك الإنتصار

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 19, 2018 7:47 am