اللهب المقدس

مرحبا بك معنا حللت أهلا وسهلا
اللهب المقدس

تربوي أدبي ثقافي


    تضاريس الأشواق

    شاطر
    avatar
    بوجدع عبد العزيز

    عدد المساهمات : 89
    تاريخ التسجيل : 20/12/2010

    تضاريس الأشواق

    مُساهمة  بوجدع عبد العزيز في الأربعاء أبريل 10, 2013 3:32 am

    ــ تضاريس الأشواق ــ

    كنت أشعر ـ ونحن نمتطي الحافلة ـ بأنّ أشواقي تفلت منّي ، وتنطلق عابرة تضاريس هذا الشمال باتّجاه الجنوب . كنت منتشيا بهذه الرّحلة التي برمجتها لنا مؤسّستنا لنكتشف وجه هذا الوطن النّضير .
    ها أنا في خلوة وجداني الخافق حينما دعاني زملاء الرحلة إلى مشاركتهم ترداد أهازيجهم التي اخترقت جدران الحافلة ، وراحت تتراكض نحو آذان المارّة في الطّرقات ، فتتوجّه الأنظار نحونا ، وتلوّح لنا بعض الأيدي الّلطيفة.
    ـ آثرت الاستماع إلى همس المدى ، والتطلّع في وجه مواكب التّضاريس على الانخراط في جوّ الزّملاء ! .
    ـ حالة الانتشاء لا تبرحني ، وعيناي لا تكفّان عن احتضان تضاريس الشّمال بجبالها الشّمخة ، المكسوّة بخضرة الغابات ، وسهولها الممتدّة كصدور مرحّبة ، ووديان سحيقة ضاربة في أنحاء الأراضي كشرايين تكتنز سرّ الحياة وتحتضن أصداءها !.
    ـ كان وجه الوطن رائع الجمال ، وهو يطلّع في وجه الشّمس المتلألئة السّابحة في أحضان السّماء..كأنّها انبهرت بجمال هذا الوطن هي الأخرى فراحت تتثاقل في سيرها لتستمتع أكثر فأكثر بهذا البهاء المعروض في هذه الزّاوية من الأرض ..
    ـ بي شغف إلى الترجّل لتلامس قدماي هذه السّهول وتلك الجبال وهاتيك السّفوح والوديان ..بي شغف يدفعني إلى الاستحمام في نور الشّمس الدّافق... .
    ـ لبّيت هذا الشّغف الملحاح حينما توقّف السّائق بنا في فسحة من الأرض معشوشبة على ضفّة واد وسيع استقبلنا برقرقة مائه الصّفي المنساب ..شدّني رونق الضّفاف المخضرّة واتفاف المجرى حول السّهول والجبال إلى غاية ملامسة وجنة الأفق الشّفيف بقبلة انصهرت في غلالة الضّياء الآسر..!.
    ـ تمنّيت لو أنّي قطرة من ماء هذا الوادي ، فألثم هذه الضّفاف ، وأبلغ أقصى ما يمكنني من ذا التّدفّق الّذي يشبه تدفّق مشاعري الدّافئة.
    ـ تستأنف الحافلة سعيها نحو الجنوب ، ويستأنف خيالي استنطاق تاريخ هذه الأرض ، وقراءة حوادث الزّمان الّذي اكتسح الرّبوع ..تمنّيت لو أنّ تاريخ الخليقة الأوّلـ حيث كلّ شيءينطق ـ قد عاد ، فأتحدّث إلى الطّير والحجر والشّجر والتّلّ والنّهر ، واستفسر من الكلّ عن أسرار هذا الوطن الّذي تحتضنه قلوب محبّيه فيطمئنّ إلى حبّها ويستلقي مستريحا ، رغم ندوب التنكّر والعقوق الّتي خدّدت روحه الصّافية !.
    ـ تواجهنا الآن قامات النّخيل ، وتسمعنا حفيف الجريد ..هذا النّغم الصّحراويّ الرّقيق تتفتّح له أبواب الرّوح على مصراعيها ، فيهمي في أنحائها كغيث وافى أرضا تتوق إلى السّقيا ، لتعشب وتزهر وتتأرّج بنفح الوصل والحبّ !.
    ـ تمتدّ أمامنا بُسُط الرّمل المخمليّة ، فيسترجع الخيال مناقب الماضي الأثكل ، وترتسم بين ناظريّ خيام الأجداد الأباة بسمرتهم ومكارمهم الآسرة!.
    هذه قوافل الجمال الصّبورة تقضم الكلأ وتنتبه نحونا رافعة رأسها في شموخ يوقظ في النّفس عزّة الأجداد وأنفتهم ..وهاهو حنين بعض الجمال يخامر أعماقي البعيدة ، ويحرّك فيها نشوة الحداء والمواويل ..تتمازج صور الماضي وتتآلف وتتعانق ، فأراني كمن اهتزّ وجدانه لرؤية وجه أمّ رؤوم !.
    ـ يكبر الوطن في تضاريس روحي ويمتدّ عمره ، فأغدو فيه حلقة تصل بين بداياته ونهاياته ...
    ـ كانت أيام رحلتنا بالصّحراء قصيرة السّاعات ، ولكنّها مديدة الحيوات .. حتّى أنّي أحسست عمري قد استزاد من الأيام أياما ، ومن الأعوام أعواما ، ومن الأحداث ألوانا .. شعرت بأنّ العمر خطا بي خطوة عملاقة ، وشعرت في الآن نفسه بأنّ هذا الوطن يزداد تعملقا كلّما ازددت فيه تحديقا !.
    ـ كانت رحلة الإياب مزيجا من الإحساس بمرارة الوداع ولذّة الّلقاء ، وليست غير رحلة الإياب تستطيع أن تمزج بين الشّعورين في الكيان الواحد ! .
    ـ كنت منصهرا في الوطن ، وكان منصهرا في ، كنّا خلقا جديدا ، هو ذوب من المادّة والرّوح ! .
    ـ كان كثير من الرّفاق قد تعبوا ، فخلدوا إلى النّوم أو الارتخاء على كراسي الحافلة ، وقليلهم كان يسرّح النّظر في وجه الوطن الّذي يودّعنا ويستقبلنا في ذات الوقت.. كانت التّضاريس المتراجعة إلى الخلف وتلك الّتي لا تكفّ عن مقابلتنا في أنس كأفلاذ من الأشواق الدّافقة .. وكانت أشواقنا المتلهّفة إلى مزيد عناق للوطن كتضاريسه المودّعة المرحّبة .. !.
    ـ فما أجمل أن تغدو التّضاريس أشواقا والأشواق تضاريس !! .


      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أكتوبر 17, 2018 1:32 pm