اللهب المقدس

مرحبا بك معنا حللت أهلا وسهلا
اللهب المقدس

تربوي أدبي ثقافي


    بين السماء والأرض

    شاطر
    avatar
    بوجدع عبد العزيز

    عدد المساهمات : 89
    تاريخ التسجيل : 20/12/2010

    بين السماء والأرض

    مُساهمة  بوجدع عبد العزيز في الإثنين أكتوبر 07, 2013 4:16 am

    ـــ بين السماء والأرض ـــ
    وقف يترقب إطلالة القمر من خلف التلال المتعالية ، كم تعجبه إطلالته الساحرة .. وتملأ روحه بأنوار الجمال .. ها قد بدأ ضياء القمر يمزق سدال الظلام ويخترقه ، وراح ينتشر في سكينة آسرة على وجه الأرض الوديعة.. .
    بدت السماء والأرض عند إطلالته في الأفق كأنهما تقبلانه كل من ناحيتها ، وبدا هو كالابن الوحيد المنعم المغمور بالحب ، المحاط بالعناية من كل جهات الروح .
    ما يزال يوزع نظره بين وجه السماء ووجه الأرض ووجه القمر .. أحس هو الآخر بأن قوة ما ترفعه نحو السماء الفسيحة المطرزة بالقمر والنجوم ، والمعطرة بنفح الصفاء ، وأن قوة أخرى تشده نحو الأرض ، وتطلق سراح أشواقه ، فتروح تهيم على القمم والسفوح والسهول ، وتتجاوب مع أنغام الخرير والأطيار والحفيف .. تطايرت أشواقه هنا وهناك كورقة نفخت فيها الريح من روحها ، فهي تحلق في الجو تارة ، وتتمسح بالأرض وتلثم خدها تارة أخرى .

    خيل إليه بعد فترة من الوقت أنه رأى وسمع الأرض تشير إليه وتخاطب السماء قائلة لها :
    ــ لا تحدثي نفسك بأن تأخذي منّي هذا الوفيّ لأمومتي ، ولتعلمي أن بين جنبيه قلبا مليئا بحبّي وبالوفاء لي ، فهو دائم الذكر لأفضالي عليه ، والشعور بعنايتي ورعايتي له ..إنّه من بطني خرج وإليها سيعود .. لقد غذوته بأطايب زرعي وثمري ، وبسطت له صدري ليمرح ويسعى ، ووهبته كنوزي ما ظهر منها وما بطن ، وهو إليّ ينتسب ، وإليّ مرجعه .. .
    بدت السماء مصغية إلى كلام الأرض بصدر رحب ..لم تثرها غيرة ، ولم تطغها أنانية ، ثمّ لكأنّه سمعها تردّ على الأرض في لطافة ولين :
    ــ أجل أيتها الأرض ..إنّي لا أنكر عليك ما أتيت على ذكره ..ولكن هل تنكرين حبّه لي وهيامه بملكوتي ..ألا ترين تحوّله الدّائم بوجهه نحوي ، وتوزيع نظراته العاشقة عبر تقاسيم وجهي ..ألا تدرين أنّ حبّه لي يغمر شموسي ونجومي وأقماري ، ويخترق حجبي أيضا ..ثمّ أتنكرين أنّ في بدنه التّرابيّ روحا نورانية نزلت إليه من عوالمي القدسية ، وأنّ مرجع هذه الروح إليّ حينما يتوفّاه الله ..؟؟ .
    ــ أشعره حوار الأرض والسّماء باشتداد خفقان قلبه ، وبازدياد قوّة حبّه لهما معا .. أحسّ بأنّ قدميه شفتان تقبّلان الأرض بحرارة ، وبأنّ عينيه قدمان من الأثير راحتاتصعدان في السّماء ، وتقودانه إلى عالم من الأنوار اللطيفة الغامرة .. .
    ــ كانت الأرض والسماء حينها تنظران إليه نظرات يتدفّق منهما الحبّ الصّادق ، وكأنّ كلاّ منهما تريد أن تنفرد بهذا الابن الوفيّ الودود ، وأمّا هو فلم يستطع أن ينحاز إلى إحداهما دون الأخرى ، لأنّه شعر بأنّه ابنهما معا .. وأنّهما أمّان حقيقيتان له .
    ــ وبعدها جلس على الأرض التي بسطت له فراشا مزيّنا ليّنا من أزاهيرها ، ثمّ راح يمسح عليها بكفّين حانيتين وهو يقول :
    ــ أيّتها الأرض ..يا أمّي التي من بطنها خرجت ، ومن ترابها عجن بدني ..لك عليّ أن أخدمك كما يخدم العبد سيّده ..سأعتني بترابك ، وسأستخرج كنوزك الثّمينة ، وخيراتك الوفيرة ، لأجعل منك أجمل الكواكب وأحسنها في نظر النّاظرين ..سأنشر فيك الفضيلة ، وأنفي عنك الرّذيلة ، وأقيم عليك مجتمع الإنسان السّعيد..فإذا توفّني الأجل عدت إلى بطنك وانصهرت فيك من جديد .
    ــ ثمّ قام رافعا هامته نحو السّماء موغلا في فسحتها بعينين عاشقتين كأنّما يلاحق طيف محبوب بعُد عنه ركبه ، ثمّ قال :
    ــ أيّتها السماء البديعة الآسرة ، يا من بثثت الرّوح في جسدي الأرضيّ بنفحتك النّورانية الإلهية ..اعلمي أنّك مرقى أشواقي ، ومدرج انطلاقي ..إليك تهفو هذه الرّوح لأنّك رحمها ، ونحوك تشرئبّ خفقاتهاالدّائمة ..أعدك بأن أحافظ على هذه الرّوح النّقيّة من أن يصيبها دنس هذه الحياة الدّنيا ، أو أن تلطّخها مفاسدها بأوحالها ..إنّني في جهاد مستمرّ لهذه الأرجاس حتّى أعيد إليك الأمانة وافية صافية .. .
    ــ ربّتت كلّ من السّماء والأرض على ابنهما الإنسان بعد سماعهما هذا الكلام الطّيّب ، وراحت كلّ منهما تتابعه بعين حانية مشفقة وهو يسعى بينهما مجتهدا في تنفيذ وعده لهما ..
    .

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أغسطس 17, 2018 7:50 pm