اللهب المقدس

مرحبا بك معنا حللت أهلا وسهلا
اللهب المقدس

تربوي أدبي ثقافي


    رياض الحياة

    شاطر
    avatar
    بوجدع عبد العزيز

    عدد المساهمات : 89
    تاريخ التسجيل : 20/12/2010

    رياض الحياة

    مُساهمة  بوجدع عبد العزيز في الثلاثاء نوفمبر 26, 2013 2:46 am

    استولى علي القلق هذا الأسبوع ، أحسست بأن قواي هجرتني ، وأنني بحاجة بالغة إلى تجديدها ، لم يجد دواء الأطباء نفعا .. جربت العلاج بأدوية الطب البدايل التي أشار علي بها بعض الأهل والأصحاب ، لكن النتيجة واحدة : عياء ملازم ، وزقلق مسيطر ، وملل محاصر .
    سهاد هذه الليلة كان أطول من غيره ..انتظرت إشراقة الصباح لأتحرر من جدران البيت ، وما إن أطل وجه الشمس حتى سحبت خطاي إلى الشارع ..كنت أتأمل الوجوه عساني أرى بينها وجه صديق لأتسلى بالحديث إليه.. .
    يا إلهي ..ما لهذه الوجوه التي أرى تائهة حائرة عابسة ..إنها لا تعكس إلا لون الحزن والفجيعة ..أهي الحياة حزن وفجيعة؟
    دفعتني هذه الوجوه المنفرة إلى سلوك شارع قليل الحركة ..كنت كلما أوغلت فيه استعدت بعض هدوئي لأن زحمة تلك الوجوه المهمومة راحت تتراجع .
    في آخر الشارع طالعتني بعض الأشجار الخضراء ، وأصوات بعض الأطفال تتراقص في الفضاء الصافي كأنها تطبع قبلات على خده اللين .
    أحسست بنشاط خفيف دب في القدمين ، وبرغبة تشد خطاي نحو المكان .. كان المكان الفسيح مسيجا ليحمي خضرته من زحف الإسمنت المحاصر له ،،وربما ليحمي الأطفال من أن تنتقل إليهم عدوى الكآبة والحيرة والتيه الراتع في وجوه هؤلاء الكبار المنضغطين في أفواه الشوارع.
     جلست على كرسي خشبي وإحساسي بالتخفف من عيائي يزداد شيئا فشيئا .
    استغرقني لعب الأطفال وانطلاقهم في هذا الفضاء الطبيعي الجميل النقي ، حيث تجتمع كثير من الأشياء الجميلة المريحة .. وأي مجلس أجمل وأريح من ذاك الذي يضم الطفولة والشمس وزرقة السماء وصفاءها ، وخضرة الشجر وأغاريد الأطيار .
    دنت كرة الأطفال من مكاني ، فجاءت كوكبة منهم تتراكض خلفها ركضا تسبقه ابتساماتهم البريئة اللطيفقة.. سألت نفسي في تلك اللحظة : لم يتزاحم الكبار في الشوارع ووجوههم متجهمة معقودة الجبين..؟ لعنت الشيطان الذي قذف في نفسي هذا الخاطر المنغص ، وأمسكت بأيدي بعض الأطفال ، ورحت أمرر كفي على رؤوسهم الدافئة ، وأدغدغ بأناملي وجناتهم الناعمة المشرقة ، وأنا في حالة من الانتشاء والحب الغامر،، وحينها فقط شعرت بأني لا أشعر بأي عياء أو هم ..كان الأطفال ، وقد هدأوا ، ينظرون إلي ووجوههم تفيض ابتساما ، وعيونهم ممتلئة استئناسا بي..وحينما أبدوا رغبة في العودة إلى ميدانهم بادرتهم بقولي : احذروا أيها الأطفال الأحباء أن تغفلوا عن ملاقاة الصباحات المشرقة ، الزموها ، والزموا الشمس وبسمتها ..صافحوا شعاعها ، وقبلوها ..لامسوا خديها بوجناتكم الغضة حتى لا تتغضن .. أرسلوا أنظاركم نحو خضرة الشجر وزرقة السماء ، وافتحوا آذانكم لتسمعوا همس النسيم وشدو الطيور .. .
    اكتفى الأطفال بتحويل وجوههم البسامة نحوي ، وهم عائدون إلى ميدان لعبهم .
    كنت سعيدا بعودتهم لأنني رأيت فيها إيمانا بنصحي وتصديقا .
     أما أنا فعدت أجرجر خطاي نحو فم الشارع المفتوح كالهوة المظلمة السحيقة ، وأنا أتساءل : من يقنع هؤلاء الكبار التعساء من أمثالنا بأنهم إنما تعسوا لأنهم راحوا يتلمسون السعادة في جيوبهم الضيقة ، وبيوتهم المانعة لنور الشمس ، وتدافعهم على الأرصفة ، وتشممهم لسموم الأدخنة ، وتهافتهم على ما يملأ البطون ، ويؤثث المساكن ، ويرفع أرقام الحسابات .. ألا ليتهم يدرون بأن السعادة ليست إلا طفولة تكبر فينا ، وترافقنا في مسالك الحياة  .. .


      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة فبراير 23, 2018 12:32 am