اللهب المقدس

مرحبا بك معنا حللت أهلا وسهلا
اللهب المقدس

تربوي أدبي ثقافي


    المشيعون...!

    شاطر
    avatar
    بوجدع عبد العزيز

    عدد المساهمات : 89
    تاريخ التسجيل : 20/12/2010

    المشيعون...!

    مُساهمة  بوجدع عبد العزيز في الأحد ديسمبر 22, 2013 2:09 am

    ــ المشيعون...! .
    ــ ها أنت الآن محمول فوق أكتافهم ،، الكثير منهم يتزاحم حول نعشك راغبا في نيل ثواب السعي بجثمانك نحو مثواك الأخير،،الكل يحث الخطى خلفك في صمت لا أدري ما يتصارع فيه من خواطر وانشغالات ..!.
    أنت الآن على حافة مثواك الأخير ، وحولك كهول وشباب يجدّون في إنزال جثتك إلى القبر مستخدمين أحزمة سراويلهم ،،الآن تُغيَب في بطن الثَرى ، فلا يبقى منك أثر في هده الحياة الدنيا إلاّ دكراك الحية في حنايا والديك وإخوتك الصّغار ،، وستبقى حيّ الدكر في نفسي أنا أيضا إلى أجل لا يعلم إلاّ اله مداه..!!.
    الكلّ يظهر خشوعا حول قبرك ، وحسن الإنصات إلى موعظة الإمام الدي راح يردد كلماته المعهودة في مثل هده المناسبات المشهودة ..ها هو يحدّر الحاضرين من الاغترار بالدّنيا والغفلة عن الآخرة ، ويعظهم بأن يتناصحوا في الدين ، وأن يكونوا عونا لبعضهم على الشيطان الرّجيم عساهم ينجون من كيده ، ومن عذاب الله المقيم .
    كنت في هذه الأثناء حزينا جدّا على فقدك المؤلم ، ومتألّما لما أصبح عليه النّاس من زيف أخلاقي ، وتظاهر بالتقوى والاستقامة في المناسبات السّارّة أو الضّارّة.
    ها هو الآن شريط حياتك القصيرة معروض بين ناظريّ في كامل الوضوح ،، يريني إياك وأنت إلى جانبي على طاولة الدرس نموذجا رائعا للطالب المجتهد الطيّب المهذّب ..لقد كنت جديرا بثناء المعلّمين ، وعبارات تقديرهم المثيرة لغبطة بعض زملائك وحسد بعضهم الآخر .. .
    انتابني سخط عارم في أثناء هذا التّذكّر ،، فهؤلاء المتحلقين حول نعشك الآن لم يمدّوك بعونهم حينما كنت تواجه مفردا مصاعب حياتك الأسرية والمدرسية ..كأنّهم لم يعلموا بحالك ، ولم يروك ـ وأنت الغضّ اللّين ـ تشتغل في ورشات البناء إبّان العطل لتتمكّن من تلبية حاجياتك المدرسية ، وتعين أسرتك الفقيرة ببعض ما تستطيعه ،،إذ ما كانت منحة أبيك المريض تسدّ تكلفة وصفة طبّيّة من وصفاته ،، لا أحد من هؤلاء كافأ نجاحاتك الباهرة التي كنت تظفر بها في نهاية كلّ عام دراسيّ ،،لا أحد منهم أهداك كتابا أو مجلّة لتشبع بعض نهمك للمطالعة .. وكم كان حبّ القراءة يستهويك،،إنّني أذكر الآن يوما من أيام عطلة نهاية الأسبوع قضيناه في قراءة كتاب في سيرة (المهدي بن تومرت) مؤسس دولة الموحّدين ببلاد المغرب ،، كم كان تعلّقك بهذا القائد العظيم كبيرا ،، كم كنت تديم الحديث عنه ، وتتأسف على افتقاد مجتمعنا إلى أمثاله من القادة والمصلحين الذين يصبرون على مشاقّ الإصلاح ، وعلى توعية النّاس ، وتقبّل أذى العامّة ، والتّجاوز عن حمقهم ونذالتهم في سبيل الخير والفضيلة ،، كم كنت تعجب لهذا المهديّ وهو يجتاز بلاد المغرب ذاهبا آيبا يربّي النّاس ، ويردّهم إلى تعاليم دينهم ، فيعتدي عليه بعضهم بالضّرب أحيانا ، فلا ييأس الرّجل ولا تفتر عزيمته ، بل يعتزل ليداوي جراحه ، ثمّ يواصل طريقه داعيا مستنكرا على النّاس تفريطهم وضلالهم !! .
    أنا الآن في مثل حالك من الأسف والحسرة ،، إنّي أنظر إلى هذا الإمام الذي كان واعقفا يعظ النّاس عند قبرك ، وأنظر إلى الجمع من حوله فلا أجدهم يساوون جناح بعوضة ،، أنا الآن شديد البغض لهم لأنّهم متطفّلون على هذه المقامات الّتي يقفون فيها ..! .
    أما كان هذا الإمام وغيره من هؤلاء النّاس الذين كانوا يستعرضون خشوعهم واستقامتهم في موكب جنازتك يعلمون حالك ، وأمر شلّتك الّتي اجتذبتك إلى عالم التّيه والضّلال والمخدّرات ،، أما كان حريّا بهم أن يرعوك ويعينوك على مواصلة اجتهادك وتحصين استقامتك ،، ألم تكن بينهم رقما هزيلا مهملا ، وهم أصفار على اليسار ..!؟ ..ألم تكن في موازينهم فقيرا هيّنا ، وأنت سالك درب ورثة الأنبياء ..!؟ .
    دهاك الفقر أيّها الصّديق العزيز فأعانه عليك هؤلاء بتفريطهم وتقصيرهم ،، وأسقطتك لحظة ضعف فما مدّ إليك أحدهم يده ليعينك على القيام .. اتّبعت شلّة تائهة فما استرجعك منها مسترجع ، وحاصرتك صروف الدّهر فما لبّاك نصير ، ولا فرّج كربك ظهير..!!.
    أما وقد صرت يدي ربّ غفور ، فعسى أن يتحرّر هؤلاء الغافلون من قبضتي شيطان الغفلة الغرور ..! .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أكتوبر 17, 2018 2:00 pm