اللهب المقدس

مرحبا بك معنا حللت أهلا وسهلا
اللهب المقدس

تربوي أدبي ثقافي


    خلف دخان القذيفة

    شاطر
    avatar
    بوجدع عبد العزيز

    عدد المساهمات : 89
    تاريخ التسجيل : 20/12/2010

    خلف دخان القذيفة

    مُساهمة  بوجدع عبد العزيز في الإثنين أكتوبر 13, 2014 2:40 am

    ــ خلف دخان القذيفة ــ
    ــ كان الدوي عنيفا جدا ، اهتزت له جدران العمارة ، وتناثر زجاج النوافذ .. لقد دفع الهلع جميع سكان الشقق إلى الهرولة نحو الشرفات والنوافذ لتبين ما وقع . تحولت السيارة في عرض الشارع إلى كتلة من اللهب ، وانتصبت على مقعديها الأماميين جثتا الرجلين المتفحمتان .. كان المشهد مروعا ماساويا .. قبل دقائق قليلة كان الشهيدان يتناولان عشاءهما مطمئنين بين أفراد أسرتيهما ، وبعدها ودع كل منهما أفراد أسرته واعدا بالعودة بعد حين .. يبدو أن العيون الخائنة الراصدة للحركات والسكنات تابعتهما في ذلك الوقت ، ثم أرسلت إشارتها الشيطانية إلى الطارئة المحلقة في العلو البعيد .. نُقلت الجثتان المتفحمتان إلى المستشفى القريب ، وقد شيعتهما الأعين الشغرى بالدمع ، والعبارات الداعية بالرحمة ، مختلطة بتلك الداعية بالويل والثبور ، إلى جانب أصوات الناحبات من سكان العمارة ز
    في هذا الجو المأساوي الذي شكلته هذه الأصوات الممزقة للأكباد ، ولون الدماء المتخثرة ، وألسنة النار ، وأعمدة الدخان ، دوى انفجار آخر أشد عنفا .. كان الهدف هذه المرة مسكنين متجاورين في هذه العمارة التي ما يزال شارعها المقابل يعرض آثار الجريمة الأولى .
    أسرعت زرافات الناس نحو الشقتين في اندفاع شجاع قل أن يعرف في غير هذا الشعب المرابط ببيت المقدس ، وأكناف بيت المقدس .. كان المشهد داخل المسكنين لا يقل مأساوية عن ذاك الذي شهده شارع العمارة المقابل منذ حين وجيز .. كانت زوجة أحد الشهيدين في سكرات الموت الأخيرة داخل المطبخ .. كانت المسكينة مثخنة بالجراح الغائرة التي انتهكت جسدها النضير .. كانت ابنتها ذات الخمس سنوات ملقاة قرب دميتها المنتكسة .. .
    أما في الشقة المقابلة فكانت زوجة الشهيد الآخر تتلمس جراحه وتتشهد وتسترجع ، وإلى جانبها جثة فتاها غارقة في دماها القانية ، مزروعة بالشظايا .
    كانت سيارات الإسعاف مصطفة وجاهزة لنقل ضحايا الغدر والعدوان إلى المستشفى .. أوغلت الزوجة والبنت الناجيتان في إغماءتهما ، ولم تستفيقا إلا بعد قرابة الساعة من إسعافهما بالمستشفى .. كان الممرض الطيب النشيط يقف بين السريرين وعيناه ممتلئتان دمعا ..أحس بتململ الجريحتين اللتين بدأتا تسترجعان الوعي ، فسارع إلى إخراج لمسح دموعه ، وراح يتحدث لإلى الزوجة المترملة الثكلى ، والبنت الصغيرة اليتيمة حديثا لطيفا يهدئ النفس ، ويخفف من وطأة جراحها .
    في هذه الأثناء استولت على البنتحالة من الذهول ، وراحت تمد يديها الصغيرتين الغضتين نحو الممرض وهي تصرخ : أين أبي وأمي ؟ أين أبي وأمي يا عم أحمد ؟ خذني إليهما أرجوك يا عم أحمد ؟ خذني إليهما .. خذني إليهما أرجوك .. .
    أمسك الممرض أحمد باليدين الطريتين وقبلهما ، ورد على البنت المفزوعة بصوت مملوء بالدفء والألم معا : لك أن تناديني بعد اليوم أبي يا مريم .... .
    تسللت كلمة أبي إلى أذن البنت ، فأحدثت فيها مفعول الخدر ، وراحت بدورها تردد الكلمة تردادا تدرج في التلاشي شيئا فشيئا ، وغرقت البنت في إغماءة جديدة عميقة .
    استدار أحمد نحو سرير المترملة الثكلى ، وأرسل بصيص ابتسامة .. ردت الجريحة بنظرة عابرة تائهة ، ثم أطبقت جفنيها حاملة بينهما ماشاءت أن تحمله من صور الحياة والموت ، ثم أوغلت هي الأخرى في إغماءة جديدة .. .
    وقف أحمد بين السريرين ، وهو يسترجع ذكريات صديقيه الشهيدين .. مرر نظره على وجهي الضحيتين النائمتين ، ثم أرسله في الأفق البعيد وهو يدعو الله أن يمده بعونه ليكمل درب صاحبيه الشهيدين ، ويحفظ أمانتهما التي تركاها بين يديه وغادرا إلى الرفيق الأعلى .. أرسل ابتسامة اخترقت وجه حزنه العميق ، ثم أبحر بأحلام الوطن والأهل موغلا في كتل الدخان التي ما تزال تتصاعد وتتراءى من خلف زجاج غرفة المستشفى ... .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 19, 2018 7:40 am