اللهب المقدس

مرحبا بك معنا حللت أهلا وسهلا
اللهب المقدس

تربوي أدبي ثقافي


    الطريق إلى المقبرة

    شاطر
    avatar
    بوجدع عبد العزيز

    عدد المساهمات : 89
    تاريخ التسجيل : 20/12/2010

    الطريق إلى المقبرة

    مُساهمة  بوجدع عبد العزيز في الإثنين أكتوبر 13, 2014 3:37 am

    ــــ الطريق إلى المقبرة ــ
    ــ مرت بضعة أشهرعلى ارتقاء روح أبيها إلى الملإ الأعلى .. لا تزال  حرقة الفقد تلهب صدرها الحنون ، وتستفز دمعها السخين ، وتذبل شبابها الباكر.. يزداد إحساسها بألم اليتم في مثل هذه المناسبات التي تغمر الفرحة فيها القلوب والبيوت .. من الطبيعي أن يشتد إحساس المحروم بحرمانه حينما يكون بين المنعمين .. أما غير الطبيعي فهو أن يتبلد إحساس المنعم ، ويفقد الشعور بحزات الجراح في صدور الآخرين ، خاصة إذا كانوا في طراوة الصبا وليونة الطفولة .
    إنها تشعر بمجاري أنفاسها تنسد ، وهي تنظر إلى زرافات البنات والبنين وهم في وجهتهم إلى زيارة الأهل مزدهين بثياب العيد الجديدة الجميلة .
    ها هي وأمها وبعض أمثالهما يديرون ظهورهما إلى القرية ، متجهين نحو المقبرة في خطى رتيبة مثقلة .. هناك ينجون من مشاهد الفرح التي يستعرضها بينهم أولئك المنعمون ، ويسترجعون لقطات من ذكرياتهم مع أحبتهم الذين ارتحلوا نحو العالم الآخر.. هناك بالمقبرة ينزوي هؤلاء المحزونون وينفردون بأحزانهم الأليفة التي لا تزعجها مسرات الأعياد ، وأفراح المحتفلين الذين تمتلئ صدورهم بالفرح والنشوة ، ولا يتركون بها زاوية يشاطرون فيها المهمونين من الناس ويواسونهم .. .
    كان خطو الذاهبين إلى المقبرة يوقع صوتا ثقيلا كالحزن ، وكانت الخواطر اللاعجة تتتابع في الضمائر وتتراص كوقع ذلك الخطو .. كل شيء في وفد الذاهبيــن إلى المقبرة جنائزي : الصمت  ، والشرود ، وتجهم الوجوه ، وأسى النظرات .. .
     تزيدها الوجوه العابرة التي تستعرض فرحتها بالعيد شعورا بالحزن والاغتراب فيهدا المجتمع الدي يشتته فرح الفرحين ، ولا يلم شتاته حزن الحزانى .. حينما همت باجتياز عتبة المقبرة رددت ذلك القول الدي يستن ذكره .. رددته في خشوع مرفوق بتسارع في النبضات .. ربما يجتاحها هذا الشعـــور أثناء هذا الموقف لأن طيف أبيهــــا يلوح لها ماثلا بين القبـــــور ، مرحبا مشفقا .. تحتضن القبر بيديها المرتعشتين ، وتناجي الأب الراقد في هدوء شاكية إليه مرارة الفراق ، ووحشة اليتم ، وقساوة الحياة والأحياء .
    يلوح لها وجه أبيها الوديع بين غلالة دموعها تغشاه مسحة ألم وإشفاق .. شفتاه ترتعشان ، وعيناه غارقتان في دمعهما وحزنهما .. كان ألم البعاد يعتصره هو الآخر ، و إحساسه بوحشة الفراق والوحدة ينهك قواه .. أحست بشيء من تأنيب الضمير لأنها كدرت روح أبيها اللطيف الطيب .. طافت بها الدكريات والخيالات كل مطاف .. استوت واقفة ، وفركت عينيها لتزيل غلالة الدمع الكثيفة .. كررت إطباق عينيها وفتحهما .. كان وجه الأب لا يزال ماثلا بكل ألوان حزنه وحسرته ، ولكنه راح يتلاشى شيئا فشيئا ليحل محله وجه الأم الواقفة علة الجهة الأخرى من القبر ، وهي تلاحق دموعها الجارية بمنديلها ، وصوتها المنخفض المرتجف يردد الدعاء بالرحمة والغفران لنازل القبر وكل أهل القبور الأخرى ، وجميع السابقين من المؤمنين والمؤمنات .
    رفعت البنت يديها داعية في خشوع .. أمنت على دعائها ، ثم وزعت نظرها على القبور المتساندة ، وأمسكت بيد أمها ، ثم أومأت إليها بالانصراف .. ولت المحزونتان وجهيهما شطر القرية الضاجة بأفراح العيد ، وراحت تسحبان الخطى مع الساحبين .. كانت خطى الإياب شبيهة بخطى الذهاب في تثاقلها ورتابتها ، وكانت القرية تبدو كمقبرة أخرى تتهيأ هناك لتثير في العائدتين أحزانا أخرى .
    . .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 19, 2018 7:41 am