اللهب المقدس

مرحبا بك معنا حللت أهلا وسهلا
اللهب المقدس

تربوي أدبي ثقافي


    الزّرزورتان وحبّة الزّيتون

    شاطر
    avatar
    بوجدع عبد العزيز

    عدد المساهمات : 89
    تاريخ التسجيل : 20/12/2010

    الزّرزورتان وحبّة الزّيتون

    مُساهمة  بوجدع عبد العزيز في الخميس يونيو 16, 2011 2:55 am

    الزّرزورتان وحبّة الزّيتون(قصّة قصيرة):
    ــ الإهداء: إلى كلّ أطفال الأمّة ، وإلى لطيفهم الكويتيّ (حسن محمّد).
    ــ كان خيط الضّباب الممتدّ في جوف الوادي يبدو كروح الطّبيعة الشّفيف .. .
    ألحّ عليّ هذا الصّباح الضّبابيّ الجميل بإيماءات حسنه للتّجوال في ضواحي القرية الوادعة..
    خرجت من البيت منتعشا بعد تناول فطور الصّباح في شيء من العجلة..وكأنّني مقبل على لقاء عزيز لي ..
    ولّيت وجهي صوب بستان الزّيتون الّذي كثيرا ما ألجأ إليه للاستئناس بهدوئه النّقيّ ، وأرتاح لتغريد عصافيره المرحة الّتي لا تكاد تتوقّف عن شدوها الرّقيق ، مجاولة خرير المياه المنسابة في جوف الوادي كانسياب النّشوة والفرح في صدري..
    كانت شمس الخريف الباهتة تحتضن الرّبوع كلّها ، وكان دفئها الّلذيذ يغمر الأرجاء ويضمّها ضمّا لطيفا حانيا .. أحسست بفيض من المودّة تجاه هذه الشّمس الطّيّبة الّتي لا ينضب حنوّها ، ولا ينقطع تبسّمها في وجه الحياة والأحياء جميعا .. بل والجماد أيضا ..أنّها صديقة الجميع !.
    كان كلّ ما في البستان متآلفا ..حتّى أنّ الزّائر للمكان يحسّ أنّه في كنف روضة من رياض الجنّة ..كانت الطّيور المرحة ترفرف مالئة الفضاء بالأغاريد الّتي راح المدى يرتشفها ارتشافا ..وكانت بعض الفراشات الملوّنة تتراقص صاعدة نازلة كمتعبّد يثني على واهب هذا الجمال المعروض للأبصار والبصائر .. .
    ملأ عليّ هذا السّحر الإلهيّ الغامر جوانحي وآفاقي .. ولم استفق من سطوته المحبّبة الرّفيقة إلاّ على اصطفاق أجنحة زرزورتين قريبتين منّي ..وهما تتصارعان تحت شجرة زيتون ممتدّة الأفنان وفيرة الحَبّ ... دنوت من مكان صراعهما رويدا رويدا لأعاين حالل الزّرزورتين من أقرب نقطة ممكنة.. .
    يا إلهي ..إنّهما تتدافعان في عنف وحّنَق من أجل حبّة زيتون كبيرة الحجم ..إن أدنت مها إحداهما منقارها انتفضت الأخرى ، واستثارت جناحيها ومنقارها الحادّ ، وراحت تنقر رأس الغريمة في هوج جنونيّ .. .
    تبادلتا العضّ ، وتداولتا النّقر.. أزعجني تصرّفهما المشين كثيرا .. تدخّلت لوضع حدّ لهذا العراك وحماية قداسة المكان وسكينته.. حملت حصاة ورميت بها على مفربة من مكان الصّراع .. أحدثت الحصاة صوتا خفيضا .. ولكنّ الزّرزورتين سمعتاه وطارتا على عجلة من أمرهما في نفس الاتّجاه .. تابعتهما بنظري إلى أن حطّتا على ظهر صخرة كبيرة تعترض مجرى الوادي المثرثر.. تقدّمت منهما متخفّيا بين الزّياتين ، فإذا بي أراهما مشغولتين بإصلاح ريشهما المضطرب بفعل عراكهما .. اقتربت منهما أكثر تدفعني الرّغبة في رؤية ملامحهما .. زلّت بي قدمي بسبب رطوبة المنحدر ، فطارت الزّرزورتان من أمامي بسرعة فائقة .. بدا لي أنّهما توجّهتا صوب مكان صراعهما حيث حبّة الزّيتون الكبيرة .. .
    انشغلت بغسل كفيّ من بعض التّراب المبلّل الّذي علق بهما وفي نفسي شيء من عدم الرّضى عن الزّرزورتين المشاكستين الّلتين آذتا نفسيهما ، وأزعجتا صفاء المكان ، وآذتاني أنا أيضا ، وكان لسان حالي يقول : لا يأتي الشّرّ إلاّ بشرّ ! .
    تلهّيت عن وجعي وعن شأن الزّرزورتين بالنّظر إلى تيّار الماء الجاري في جوف الوادي ، وإلى التّعرّجات المتنوّعة الّتي راح يصنعها وهو يتسلّل بين الصّخور مثابرا متحدّيا اعتراض الصّخور الكبيرة والصّغيرة معا .. ذكّرني تحدّي الماء بأمر العصفورتين من جديد ، فقفلت راجعا إلى موضع عراكهما حيث حبّة الزّيتون الكبيرة الّتي كانت سبب تقاتلهما .. حين دنوت من المكان رأيت بقعة سوداء أكبر من حجم حبّة الزّيتون تحت تلك الشّجرة .. واصلت تقدّمي مصوّبا نظري نحو ذلك السّواد الّذي كان يكبر أكثر كلّما ازددت دنوّا منه .. .
    يا إلهي..! ليس ذلك السّواد الكبير إلاّ الزّرزورتين وقد تمدّدتا على الأرض متعانقتين .. ربّما أنهكتا بعضهما البعض فاتّفقتا على استراحة .. غدوت قريبا جدّا من الزّرزورتين ، ولم تحرّكا ساكنا .. أَبَلَغ بهما الإجهاد حدّ العجز عن الطّيران ؟! .. ربّما !! .. ولكنّ الزّرزورتين لا تتحرّكان تماما .. خطوت نحوهما خُطُواتي الأخيرة فأدركت بأنّ الزّرزورتين لم تتحرّكا لأنّهما وقعتا بين فكّي فخّ محكم فاضت بسبب ضمّته القاسية روحاهما ..تاركتين جسديهما وأجنحتهما المرتخية ومنقاريهما ومخالبهما المدمّاة .. لقد فارقتا الحياة تاركتين حبّة الزّيتون الكبيرة وكثيرا من الحَبّ متناثرا في المكان الّذي نزلت به سكينة مهيبة .. !!
    .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أكتوبر 17, 2018 1:28 pm